في مصر يبقى المجتمع علامة مميزة لكل ما حولك. وتظل سلوكيات هذا المجتمع هي المجال الخصب لكل الحكايات والكتب والقصص والروايات الطويلة. بل تبقى حكاوي هذه السلوكيات مضربا للمثل في كثير من الأمور التي تعد غرائب في مجتمعات أخرى.
في مصر المجتمع يمنح الحياة طعما ورائحة. بكل سلوكياته السلبية في أغلبها، إلا أنها تبقى كالبهارات والتوابل التي لن تجدها في مكان آخر. ربما لا يشعر بهذه التوابل وقيمتها وطعمها إلا من عاش في الخارج وجرب الحياة البلاستيكية الجامدة وربما المصطنعه.
جرب ان تبقى صامتا في سيارة الأجرة “التاكسي”، ستجد ان السائق يجبرك إجبارا على الكلام، ربما يتحدث في السياسة وعلاء الأسعار وربما في كأس العالم وربما في الطهي والمطاعم. جرب ان تقف على قارعة الطريق وسيارتك معطلة، وأحسب عدد الأشخاص الذين سيتوقفون لمساعدتك. جرب ان تتبادل الحديث مع شخص تراه للمرة الأولى في حياتك وأنت تستقل القطار أو مترو الانفاق، ستجد ان الكلام لا ينتهي وكانكم أصدقاء منذ زمن بعيد.
تعابير الحياه على وجوه الناس تأخذك لآفاق بعيدة وكأنها لوحة قمة في الإبداع تحكي كل ما يمر به مجتمع باسره، تشاهدها في الشارع ومحطات القطارات. علامات التعب وضيق الحال وهم الحياة وابتسامة فتاه صغيرة وغضب رجل عجوز وحماس شاب مراهق وفرحة طفل بلباس المدرسة وسعادة سائح أجنبي وحزن امرأة.
كلما ابتعدت عن الشوارع في مصر كلما اشتقت للسير فيها وتأمل زحامها ولوحاتها المعبرة. وكلما عشت بعيدا عنها كلما اشتقت لها بأكثر مما مضى.
هي مصر التي ستبقى مهما حدث في خاطري ودمي.
في كل مرة تتحدث أو تشاهد أو تسمع أحد البسطاء وهو يحلم ستجد أن طموحاته وأحلامه لا تتعدى اشياء كثيرة لديك وربما لم تشعر يوما بقيمتها أو بأهميتها. ولو أنك قيمت حالك وما لديك من متاع، فستجد أنك بالنسبة لآخرين تمثل حلم ورغبة وهدف لهم. ومهما ارتفع مستواك ستجد أن هناك من يتمنى ربع ما لديك.
نعود للبسطاء الذين يمثلون غالبية سكان بر مصر، ستجد أن أحلامهم ليست في الأموال الطائلة والقصورالعالية، بل هي أحلام بسيطة تتعلق بتعليم أبنائهم وضمان قوت يومهم وبعض الحاجيات والأغراض البسيطة التي يحتاجها منزلهم المتواضع. ولم أسمع يوما احدا من هؤلاء يتمنى ملايين الدنيا وأراضيها بقدر ما يتمنى أن يضع رأسه على وسادته دون منغصات الدين والدروس الخصوصية وضيق ذات اليد. هم لا يريدون الدنيا بقدر ما يريدون السعادة بأبسط وأرخص الطرق. لا يريدون الثراء الفاحش بقدر ما يلهثون وراء راحة البال.
كثيرون يستطيعون أن يحققوا حلما من تلك الأحلام البسيطة التي هي ربما تمثل أحلام نصف شعب مصر. والأغرب أن هذه الأحلام يمكن لنا كمجتمع (بعيدا عن الدولة وعن الحكومة وعن الجمعيات والمؤسسات) أن نحققها بمنتهى البساطة. فقط لو أننا التزمنا بدورنا كمجتمع واحد وجسد واحد.
من منا فكر في أن يتكفل بتعليم طفل واحد؟ ومن منا فكر في أن يتكفل بعلاج مريض؟ ومن منا كفل يتيما أو أرمله؟ من منا زار فقيرا واشترى له بعضا من حاجته؟
الخير فينا، وهناك من يقوم بهذه الأمور سرا أو علانية، لكن هل كلنا نفكر بهذا؟ إن أحلام البسطاء دوما بسيطة ويمكن تحقيقها بسرعة، لكن أحلام الأغنياء والجشعين والنصابين أخذت كل شيء ولم تبقي حتى الفتات.
بالتأكيد لديك اهتمام بشيء محدد، ربما تربية اسماك الزينة، وربما الهواتف المتنقلة، وربما تصميم المواقع، وربما التاريخ. ولتزيد من معرفتك هذه لا بد من أن تقرأ وتجرب. وقد يبدو موضوع القراءة لدى البعض صعبا، خاصة لو تخيل أن أحد كتب التاريخ في حدود ألف صفحة. لكن لو أنه قرأ كل يوم صفحة واحدة فربما يكون هذا كافيا بل وأكثر فائدة من حشو ليس ذو معنى.
لو أنك من هواة تربية الحيوانات مثلا، فيمكنك أن تقرأ كل يوم صفحة أو عن موضوع محدد، يمكن لهذا الموضوع الواحد أن يزيد من معرفتك باشياء خفيت عنك كثيرا. ولو أنك من مطوري المواقع، (فلابد) أن تقرا كل يوم صفحة على الأقل. فحتما هناك معلومة غابت عنك أو نصيحة ستفيدك في عملك. استمر على هذا المنهاج حتى تتحول إلى إنسان مطلع. فلقد قرات وسمعت عن تجارب كثيرة لأشخاص لم تكن القراءة أبدا أحد اهتماماتهم، لكنهم بدأوا بقراءة أشياء قصيرة وبسيطة في حدود الصفحة يوميا وفي المجالات التي يحبونها أيا كانت. ومع التكرار بشكل يومي اصبحت عقولهم تحتاج إلى المزيد والمزيد من المعرفة.
القرآن الكريم الذي هو منهاج ودستور أمة، بدأ بقوله سبحانه وتعالى: “اقرأ. اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم”.
شجع أصدقاءك وزملاءك في العمل على القراءة، وإذا كنت قارئا ووقع تحت يديك ما تجده مهما لغيرك اطبعه أو أرسله لصديقك ليقرأه. المهم أن تقرأ وتستمر في القراءة وتنشر هذه الثقافة وهذا الإيمان بضرورة القراءة لكل من حولك. علم أولادك أن يقرأوا ويمسكوا بالكتب، اشتر لهم القصص المصورة، المهم أن يعتادوا على الإمساك بالكتاب.
حاول أن تقرأ كل يوم صفحة… واستمر، وبعد فترة ستجد أنك قد أزلت الكثير من الصدأ عن عقلك.
كثير من القضايا التي يتم تداولها الآن علنا في أكثر من مناسبة وعبر أكثر من مكان إعلامي، تتحدث عن محرمات دينية باسم الحرية الشخصية وحقوق الإنسان. أثار استيائي كثيرا التحقيق الأخير الذي تجريه محطة البي بي سي عن المثلية الجنسية، وسبقها لهذا الكثير من الإعلاميون سواء عبر برامج الحوار أو عبر بعض الأفلام والمسلسلات. والقصة تتلخص في أن المثلية الجنسية، أو لنقل بصريح العبارة “الشذوذ الجنسي” هو من الأمور التي تتعلق بحرية الشخص الشخصية ومن حقه أن يمارسها مع أقرانه كيفما واينما أراد ما دام هذا لا يضر بالآخرين أو بالمجتمع. وأن هذا حق اصيل يجب أن يحصل عليه اي فرد وأن يختار الحياة التي يبغاها.
ورغم أن كل الأديان السماوية حرمت الشذوذ الجنسي، حتى أن قوم سيدنا لوط عليه السلام كانوا من أشد أهل الأرض عذابا. إلا أن التيارات الإعلامية المصحوبة بقلوب مرهفة تتحدث عن حقوق الإنسان تأتي عكس التيار.
أتمنى أن يقف المجتمع أكثر أمام هذا اللغط في العقول والأديان، فالأجيال الجديدة ستأتي لاحقا لتناقشنا بأن ممارسة الرذيلة في الأماكن العامة هي من حقوق الإنسان ويجب إقرارها في الدستور.
عافاكم الله
في الوقت الذي يتزايد فيه الإهتمام يوما بعد يوم بنجوم المجتمع من الفنانين ولاعبي الكره وغيرهم ممن لا يقدم شيئا حقيقيا لنا سوى المتعه، اختفى من حياتنا كل العلماء والأساتذة والمفكرين الحقيقيين. وأصبح المثل الأعلى لأي طفل هو لاعب كرة القدم أو مطرب أو ممثل، مما انعكس على أخلام المستقبل للأطفال، ولم يعد هناك أحلام بأن يكون طبيبا أو مهندسا أو ضابط شرطه أو محامي، بل صار الحلم الأول لكل طفل أن يكون لاعب في نادي مشهور.
هذا المثال أصبح يلخص ببساطة مدى التدني الثقافي الذي يعيشه المجتمع في الفترة الحالية، مما انعكس على كل أوجه الحياة لدينا، فقامت الدنيا بين شعبين عربيين شقيقين لم يتأخر أحدهما عن الآخر يوما، بسبب مباراة كرة قدم. وتثور أزمات كثيرة بين الشباب وتجد لها رد فعل عريض على الإنترنت بسبب (شعر صدر) مطرب. ومن بين كل هذا الضجيج والغوغاء لن تجد أحدا يعرف اسم عميد جامعة القاهرة أو أكثر الأساتذة والباحثين أهمية في الوقت الحالي، ولا نعرف ما هو المشروع العلمي القومي الذي تعمل عليه أوطاننا حاليا.
ومن بين الشد والجذب والتوهان الحاصل في المجتمع سواء في الساحة السياسية أو الرياضية أو الفنية، تاه علماؤنا وأساتذتنا الذي يعيشون بالكاد على رواتب ضعيفة لا تسمن ولا تغني من جوع، ناهيك عن الإنعزالية التي باتوا فيها، فما عادت لهم تلك الهيبة في المجتمع والنظرة التي ينظر بها بسطاء الناس إلى دكتور الجامعة أو الباحث العلمي. وكأننا نترحم على زمن (محمد أفندي) في فيلم (الأرض).
قابلت ذات مرة أستاذ دكتور من احدى الدول العربية الشقيقة، وهو رجل عالم، يعتز كثيرا بأنه درس في مصر، وكيف أن هذا منحه الكثير في بداية حياته، وما زال يحمل كل الحب والإمتنان لمصر. استمعت لكلامه بحسرة وهو يقول كيف أن الجامعات المصرية لم تعد كسابق عهدها، وكيف تخرج جامعة مثل جامعة القاهرة من تصنيف أفضل خمسائة جامعة على مستوى العالم بينما تواجدت جامعات اسرائيلية.
الاستسلام لهذا الوهن وشياع مناخ الضعف والقهر في أوطاننا قد يكون مؤثرا في بعض الفترات، لكن هذا لا يعني الإستسلام، إنه يعني أن الجيل الحالي يجب أن يقاوم التفاهة وأن ينظف عقله من العنب والليف. أن يقرأ ويطلع، أن يقاوم بقدر ما يستطيع هذه الموجة الممظلمة التي تجتاح العقول.
إذا لم نعد إلى المسار العلمي الصحيح؟ فمن سيعيدنا؟
في السنوات القليلة الماضية وتحديدا مع انتشار القنوات الفضائية بشكل مفاجيء أصبحت هناك سلوكيات كثيرة في مجتمعنا تحتاج لوقفة وتصحيح . بعض هذه السلوكيات يتعلق بالرياضة واستجابة المجتمع وتناعمه مع أحداثها . لعل أحداث مباريات منتخب مصر لكرة القدم في الآونة الأخيرة كشفت الكثير من الأمور التي تناسيناها أو غضضنا عنها الطرف حتى تفاقمت وصارت أوضح مما يجب . لعل السلبيات كثيرة لكن أحدها يتعلق بعلم الدولة، رمز الهيبة والاحترام للوطن، تاريخ طويل من الكفاح والنضال . هذا العلم الذي أصبح ببساطة شعار منتخب كرة قدم . فعندما ترى العلم في مكان ما لابد وان تتساءل ببساطة هل توجد مباريات كرة قدم هذه الأيام ؟ تماما مثلما تجد شخص وقد رفع شعار ريال مدريد أو برشلونة .
لقد حول الإعلام منساقا ببعض من مقدمي البرامج انتماء الشعب إلى الوطن بانتمائه لمنتخب كرة قدم وأن الفوز بمباراة هو انتصار للدولة والهزيمة تعني انهزام وانكسار للوطن والمواطنين. فكانت نتيجة أحدى المباريات هي “المهانة والاستهانة ” . وبهذا تم تلخيص معاني الانتماء للوطن ، فكان العلم رمزا للرياضة، نرفعه خفاقا عند الفوز (الفوز وليس النصر) وننكسه عند الخسارة (حاشا لهذا العلم ان ينكس لهكذا سبب).
ليس هذا فحسب ، بل ان دمج الحماسة الوطنية وزرع ذكريات حروب ضد اليهود المحتلين أو الاستعمار لاستخراج الطاقات الوطنية الكامنة في النفوس لتفريغها في تشجيع مباراة في كرة القدم هو قمة الاحتقار والازدراء لمعاني حب الوطن وانتقاص مفزع لحقوق الشهداء والمحاربين القدامى الذين ضحوا بحياتهم لكي نعيش . وليس أدل على ذلك من أطفالنا الذين سيعددون إنجازاتنا بفخر . فبدلا من ان يقول الطفل لقد كان جدي أحد شهداء أكتوبر سيقول بتباهي وفخر لقد كان والدي أحد كبار المشجعين في مبارة مصر والجزائر في نوفمبر . هل هكذا ستكون ذكرانا ؟ وهل هكذا سيتربى أطفالنا ؟
الأمور تتعاظم واخشى يوما ان يطالب بعض المتعصبين في حب الوطن استبدال النسر في علم مصر بكرة قدم.
أحدث التعليقات