لم يتوقف الكثير عن التأكيد على ضرورة حماية بياناتنا ومعلوماتنا على الإنترنت بشكل أو بآخر. وإذا كان عصر الشبكات الإجتماعية الحالي قد (فرض) نوعا من الإنفتاحية لم يكن أحد يتوقعه، فعلى الأقل لابد أن تحترس فيما تعرضه ولمن تعرضه.
لاحظت شخصيا أنني اضيف الكثير من الأشخاص (ربما تكون علاقتي بهم سطحية) إلى صفحتي الإجتماعية على الفيس بوك. هم ليسوا مدونون وليسوا زملاء في العمل وليسوا حتى أصدقاء قدامى، غالبا هم أشخاص التقيتهم صدفة مرة أو مرتين ولم تعد تربطني بهم اية علاقة. ورغم هذا كل محتويات حسابي من صور وأحداث ونقاشات مع اصدقاء، هي تحت تصرفهم ومراجعتهم، المثل معي، فأنا أطالع كل تفاصيل حياتهم التي ينشرونها. ولو أنك أخذت بهذا المقياس على أشخاص يضعون في قوائم الاصدقاء كل ما هب ودب وربما نصفهم غير حقيقي بالمرة، ستجد أنك اصبحت شخصا يسهل إعداد تقرير مفصل عنه.
بالتبعية فإن خصوصيتك لم تعد في مأمن، “قناة الجزيرة ناقشت هذا الموضوع باستفاضة عبر أحد برامجها” وتحدث الضيوف عن اتفاقيات الإستخدام التي نوافق عليها قبل استخدام المنتجات “كبريد جوجل مثلا” وكيف أنها تضع كل معلوماتك وبياناتك على المحك مع أول رسالة أو طلب أمني للتقصي عن نشاطاتك. الموضوع برمته ليس لتختبيء من الدوائر أو الملاحقات الأمنية، بل الموضوع كله يتحدث عن الخصوصية. وهي المعادلة الصعبة التي لم يعد سهلا تحقيقها. فكيف يمكنني أن أحافظ على خصوصيتي وبنفس الوقت أن استفيد مما تقدمه خدمات الويب لي.
حاول أن تنتقي أصدقاءك بعناية على الشبكات الإجتماعية التي تتصل بها. وحاول أكثر ألا تضع صورا أو مشاهد يمكنها يوما ما أن تسبب لك حرجا من اي نوع، قم بتنقية جهات اتصالك باستمرار، هناك الكثير من حسابات البريد الإلكتروني التي أغلقها أو هجرها اصحابها، فلماذا تبقى على قائمتك؟ استخدم مواقع عامة للمتابعة والتواجد ولا يمكنها أن تكشف الكثير من أسرارك الشخصية، كتويتر مثلا (لا تكتب أماكن تواجدك على تويتر بقدر المستطاع).
لا تعتمد على تقنية أو خدمة واحدة في حفظ وارشفة بياناتك، وتأكد أن أأمن مكان (مهما كان معرضا للإختراق) هو حاسوبك الشخصي. ضع عليه كل نسخك الإحتياطية وكل ملفاتك الهامة وكل جهات الإتصال بل وكل النسخ الإحتياطية الخاصة بجوالك. قد يعتمد البعض على ملفات جوجل، لكن ماذا لو توقفت الخدمة؟ ماذا لو اخترق احدهم حسابك واطلع على أدق التفاصيل المالية لك التي ربما لا يعرفها أحد آخر؟
المعادلة صعبة، لكن يمكنك أن تحدث التوازن بما يتماشى مع التقنيات الحديثة، ولكن تأكد دوما من عدم الإقدام على نشر معلومة قد تكلفك الكثير من سمعتك أو حتى حياتك.
احترس دائما لخصوصيتك على الإنترنت
أثناء تجولي في بعض المنتديات الجديدة بالنسبة لي، وعلى غير عادتي في تصفح المواقع، وجدت الكثير من العوالم الإفتراضية، والحقائق التي ربما نغفل او نتغافل عنها. أهمها هو أن هناك كم هائل من الأطفال تعيش حولنا في الإنترنت وتتفاعل كما يحلو لها مع كل شيء. أين هم؟ بالتأكيد ستجدهم بالصدفة مثلي في منتديات كثيرة أنشأها أطفال ومراهقون يكتبون كل شيء عن المدرسة وحياة المرحلة الإبتدائية وعن المدرسين والواجب المنزلي، بل وعن المسلسلات والأفلام والكرتون.
في البداية لم اصدق أن هناك انامل بعمر الثمان سنوات والعشر سنوات ستتعايش في عالم الإنترنت ولها مئات المشاركات، ولها مواضيع مميزة مقارنة بالمرحلة العمرية التي يعيشونها. الغريب أن هذه الأنامل الصغيرة تحمل أفكارا وأحلاما (بعضها مثل من يحلم أن يكون طيار ومهندس على غرار نفسك تطلع إيه)، ومنهم من يتشاءم بان المدرسة بعد رمضان، والبعض الآخر يقول لو أن رمضان أطول من شهر حتى لا يعود إلى صف خامس إبتدائي.
هذا الموضوع يقودنا إلى عدة نقاط مهمة في الحلقة الأزلية التي تربط المجتمع بالتكنولوجيا، ولعل أهم هذه النقاط هو تأثير الإنترنت على سلوكيات أطفالنا، ومدى ما يمكن أن يساهم به في نمو وإنضاج عقول الأطفال. ولعل النقطة الأولى التي تتعلق بسلوكيات الأطفال وتأثرها بالإنترنت هي أحد أهم ما شغل تفكيري حينها، إذ أن المؤثر الاساسي على سلوك الطفل يكون دوما هو البيت والأسرة، ثم المدرسة والمسجد، ومن هنا يمكن التحكم بهذه السلوكيات من خلال اختيار المدرسة واختيار المسجد والنادي الإجتماعي…. إلخ ومما يعني قدرة الأبوين على تحذير أطفالهم من التحدث مع فلان أو الإستماع لفلان. بينما تذوب هذه النقطة تماما في غياهب الإنترنت، فلا يمكن بأي حال منع الأطفال من الدردشة مع أشخاص بالغين، ولا يمكن فرض قيود على المواقع أو المحتويات الرقمية التي يشاهدونها في أهم مرحلة عمرية من حياة الإنسان وهي مرحلة التلقين وتكوين الفكر.
إن هذا لا يعني أن نمنعهم من دخول الإنترنت إطلاقا، بل يعني أن يبذل الآباء جهودا مضنية من أجل ملاحقة أطفالهم إلكترونيا، والبدء بتهذيب أفكارهم وتوعيتهم بشكل صحيح قبل ان نلقي بهم في هذا البحر المجنون الذي لا يسلم أحد من مغباته. والتوعية تكون بالبدء في غرس مفاهيم وسلوكيات إسلامية عربية شرقية محافظة في نفوس الأطفال وتنفيرهم من مظاهر الإنحلال والتغريب وتلك المحاولات السافلة لهدم اللغة العربية وطمس حروفها. حتى نزرع في نفوس الأطفال صخورا وحواجزا تقاوم أمواج الفكر المتباينة، فيكون لدى الطفل مثل وقدوة ومبدا يسير عليه ويفهمه، فلا يتأثر بما يقرؤه ويشاهده، وإن تأثر فهناك دومات حملات التنقية والتطهير الثقافي التي تقوم بها الأسرة والمدرسة.
النقطة الثانية المهمة هي مدى ما يمكن أن يساهم به الإنترنت فعلا في نمو ثقافة الأطفال بشكل سليم. فليس الإنترنت كله سيء، وليست الدنيا الإلكترونية سوداء، لكنني دوما أبدا بالتحذير من الشر لأنه الأهم والأخطر. أعود لأقول بأننا نستطيع أن نوجه دفة القارب الذي يستقله الطفل أثناء إبحاره في الإنترنت ليستفيد فعلا وتنمو حصيلته الثقافية. ويمكن إتمام هذا ببساطه من خلال تعليمهم طرق البحث البسيطه، وتعريفهم على مواقع الإنترنت التي تحوي الكثير من المعلومات الإسلامية والثقافية كمواقع الدين المختلفة أو الموسوعات المتعددة، ومواقع الأخبار الاسرية، وقنوات الأطفال على اليوتيوب. ويستطيع الآباء والأمهات أن يزيدو من حماسة أطفالهم بطلب معلومات تاريخية أو ثقافية عن شيء محدد وانتظار إجابة الطفل بعد البحث والتقصي، مما يرسم لهم طريقا للتحدي وإصرار على جمع المعلومات. اللعبة قد تبدو بسيطة عندما تطلب من طفلك أثناء جلوسه إلى الإنترنت أن يعرف ما هي عاصمة الأرجنتين، وماذا يعرف عن انس بن مالك، ومن هو هارون الرشيد، ومتى تأسست الدولة السعودية الحديثة. المهم أن يبحث ويعرف ويحفظ. بدلا من أن تفاجأ بان طفلك يعرف تاريخ ميلاد وزواج وطلاق الفنانة فلانة، وأن الفيلم الفلاني به مشاهد إباحية كذا وكذا.
أخيرا، انتبهوا لأطفالكم على الإنترنت
هناك من يختار نظام تشغيل لجهاز الكمبيوتر الخاص به، وهناك من (وجد) نظام تشغيل على جهازه فبدا يتعلم عليه وانطلق، وآخرون يتركون عملية الإختيار لمهندس أو فني الصيانة كلما قام بتجديد أو اصلاح الجهاز. وبطبيعة الحال فإن كل مستخدم يدافع عن نظام تشغيله لأنه بشكل أو بآخر مرتاح مع هذا النظام ومتآلف وربما صاروا أصدقاء. وهذا الكلام يقود إلى نقطتين هامتين سأتحدث عنهما اﻵن. اﻷولى عن ثقافة المستخدم تجاه ما يستخدمه على الكمبيوتر، والثانية مباديء التقييم والحكم على المنتجات.
ثقافة المستخدم:
قبل أن أتحدث عن التقنية والتكنولوجيا التي قد تكون عائقا أمام فهم البعض فإنني سأتناول مثال بسيط لهذا الأمر، وهو السيارات. ولو افترضنا أنك “نويت” أن تشتري سيارة جديدة، فالطبيعي والمنطقي أنك ستبدأ بتحديد رغباتك وميزانيتك للسيارة الجديدة، ثم تبدأ بالسؤال وأخذ الإستشارة من ذوي الخبرة والمعرفة والمجربين، وستتعرف على مميزات موديلات وأنواع السيارات وعيوبها واستهلاك البترول وأسعار الصيانة وقطع الغيار… إلخ. بعدها ستبدأ مرحلة البحث الفعلي في السوق والوقوف على الاسعار والعروض واخيرا الشراء. هذه العملية قد تاخذ يومان، وقد تستغرق شهور، لكنه تدرج طبيعي لكل من يريد شراء سيارة أو هاتف محمول أو حتى حذاء. وهذه تسمى عادة بثقافة المستهلك ووعيه تجاه ما يباع من منتجات في الأسواق. لكن يبدو أن ثقافة المستهلك العربي في مجال تقنية المعلومات ما زالت في بداياتها، فشراء حاسوب يمر بعديد من الأمور التي يعتبرها الخبراء خاطئة. وأولها أن الغالبية يبحث عن (أفضل مواصفات) رغم أن الجهاز سيتم استخدامه ﻷعمال مكتبية بسيطة أو لترفيه منزلي لا يزيد عن مشاهدة الفيديو وتصفح الإنترنت. فما بالك بعملية اختيار البرمجيات وبدء التعلم على استخدامها.
لقد استخدمت في بداية هذا المقال (مثال أنظمة التشغيل) ﻷنه الأقرب إلى الواقع بشكل لا يمكن إنكاره من أحد. فغالبية مستخدمي أجهزة الكمبيوتر في وطننا العربي لم تختر نظام تشغيل بحد ذاته، بل جاء النظام إجباريا على الجهاز، وحتى بعد عودة الجهاز من رحلة الصيانة، يأتي محملا بنظام تشغيل ومجموعة برمجيات تعكس ثقافة وربما ميول فني الصيانة. ولم يتم اختيار مشغل صوتيات محدد، أو السؤال عن ما هو مشغل أقراص DVD المفضل. ستجد في منتديات النقاش المنتشرة في فضاء الإنترنت الكثير من الاسئلة حول مواصفات العتاد الأفضل والأسرع، لكن من النادر أن تجد من يسأل عن عتاد مناسب لبيئة عمل مكتبية يحقق السعر الجيد والمواصفات (المثالية لهذه البيئة). كما أن الأندر من ذلك هو الإستفسارات والأسئلة عن أفضل البرمجيات التي تحقق ما أريد في بيئة عمل محددة، بدلا من أن تجد مئات التطبيقات على جهاز واحد وكلها لا تتعدى الإستخدامات المنزلية.
في مجال الأعمال تكون الكوارث أكثر، والهفوات أشد وقعا، فشراء عشرات أو مئات الأجهزة للشركات قد يتسبب في كارثة مالية بسبب تقييم خاطيء للاحتياج الحقيقي للمؤسسة والموظفين، تماما مثلما يكون التقييم الخاطيء لاحتاجاتها من البرمجيات ونظم التشغيل هو أحد البنود التي تلتهم ميزانيات خيالية لا داعي لها.
إن ثقافة المستهلك للمنتجات التكنولوجية تعني (بحثه) عن أفضل ما يناسبه من عتاد وأنظمة تشغيل وتطبيقات. كما تعني (استخدامه) ﻷقل الموارد تكلفة، وأكثرها بساطة وسهولة، وتعني أخيرا (وعيه) بتطورات السوق ومعرفته بالجديد الذي يناسب تطور أعماله ونموها.
مباديء التقييم والحكم على المنتجات:
لا أعني أن يكون كل مستخدم لجهاز الكمبيوتر هو مقيم رائع، أو محلل نظم متميز، بل أعني أن تكون لك القدرة على الوقوف على الحياد دوما. هناك محبوا Intel و AMD، وفي بطاقات الشاشة هناك محبو Nvidia و ATI، وفي نظم التشغيل هناك محبو Microsoft و Linux و Mac. وهناك كثيرون من هؤلاء ممن يتحيز لمنتج على حساب منتج آخر، بل ويخصص بعض الوقت للهجوم على المنتجات اﻷخرى، (في بعض الأوقات هاجمت أنا بصفة شخصية منتج Windows Vista من شدة ما عانيت منه، خاصة في بيئة جهاز مخصص للتطوير البرمجي). كان هذا خطأ، ﻷني سمحت للعاطفة بأن تلعب دورها في الحكم على منتج محدد، ورغم أنه سيء بدرجة أو بأخرى، لكن هذا جعل تقييمي له على أنه اسوأ اختراعات القرن الحادي والعشرون. هذا مثال شخصي بالنسبة لي، وستجد تكرار كثير له، ناهيك عن الكره الشخصي لمنتجات بعينها بسبب وبدون سبب من البعض اﻵخر.
لكي تكون مقيما حقيقيا، يجب أن (تجرب). ببساطة لا تحكم على لينوكس بأنه صعب بدون تجربة، ولا تحكم على ويندوز بأنه غبي دون تجربة، ولا تحكم على تطبيق محدد بأنه سيء دون أن تجرب التطبيقات المنافسه له. وفكرة التجربة الشخصية نابعه من النقطة الأولى، وهي (احتياجاتك الخاصة). وإلا فلماذا تجد لكل شخص مشغل المالتيميديا الخاص به والذي لا يرتاح إلا باستخدامه؟ ﻷنه ببساطة يناسبه، ربما في السهولة وربما في واجهة التطبيق، وربما في الإمكانيات التي جاءت بالمقاس على ما يريد.
إن الحكم من وجهة نظر المستهلك العادي للتكنولوجيا تأتي تبعا لاحتياجاته الخاصة، مما يعني بالتبعية أنه ليس حكما مطلقا على المنتجات. وهذه نقطة أخرى يهملها وربما ينساها البعض اﻵخر. فكم من موقع أو مدونة يشتكي صاحبها من برنامج معين ويطلق العنان لكلماته، لكنه ينسى أن يقول أن هذا رأيا شخصيا بحكم تجربة شخصية. وهذه النقطة تحديدا نلمسها كثيرا في المواقع المتخصصة كعرب هاردوير مثلا.
إذا، اعتمد على (التجربه) في الحكم على المنتجات، وانظر إلى المنتج (بنظرة شخصية) تعبر عن رغباتك أنت، ولا تطلق (أحكاما وتقييمات عامة) عن منتج مالم تكن خبيرا بهذا المجال.
الخلاصة: خبرتك كمستهلك للتكنولوجيا هي تماما مثل خبرتك في مجال الأطعمة والسيارات والملابس، كلها تحتاج إلى تعاون مجتمع المستهلكين في وضع تقديرات ومعلومات صحيحة عن كل منتج، وتحتاج إلى البحث والتجربة ومشاركة النتائج باستمرار.
وإلا فلن ينمووعي السوق الإستهلاكي إعتمادا على قلة قليلة من المستخدمين المثقفين.
ماذا تفعل اﻵن؟ وماذا فعلت بالأمس؟ وما هي حالتك النفسية؟ وبم تفكر هذه الأيام؟ كل هذه أمور شخصية خاصة بك ربما حتى وقت قريب لم يكن أحد ليطلع عليها أو يعرفها إلا من تشاء ومن تريد. لكن التكنولوجيا الحديثة لم تعد تتركك وشأنك كما الماضي. وإذا كنت من رواد المواقع والخدمات الإجتماعية فحتما هناك زوايا كثيرة انكشف عنها الغبار وظهرت لمن حولك. بل إن جوانبنا الشخصية تجاوزت حدود المدرسة والشارع والحي وجابت أقطار الدنيا، وصارت أفكارنا وقراءاتنا ومشاعرنا مشتركة مع الجميع، واصدقاءا لنا من كل مكان يشاركوننا الفرحة والحزن وحتى أكثر صورنا غرابة في رحلة من رحلات الصيف.
الشبكات الإجتماعية بلا شك هدمت أسوار الخصوصية، ولم يعد اسمك ولا شكلك سرا، ولا حتى أفكارك وأحاسيسك. وبينما كانت الأفكار حبيسة الدفاتر والأدراج وقد لا تخرج إلا مع توزيع التركة، فاﻵن الكل يقرأ كل شيء بل وكل شيء مكتوب ومسجل على الإنترنت لفترات قد لا تعلم أنت نفسك مداها. الموضوع برمته صار مثيرا للجدل في كثير من الأوساط الثقافية والإجتماعية، فانكشاف النقاب بهذا الشكل عن كل أو أغلب المستور أزال كثيرا من براقع الحياء لدى طبقات كثيرة من المجتمع خاصة الفتيات، وصارت الصور ولقطات الفيديو متاحة للكثير ليشاهدها، بما تحويه من لقطات عفوية وزوايا ﻷركان البيوت وحدائق المنازل، ولم يعد هناك أسرار، حتى شكل وهيكلة منزلك صار مكشوفا بلقطات الأقمار الصناعية الموضوعة على الخرائط. باختصار لم يعد هناك ما تخفيه ولم يعد هناك مكان نختفي أو نختبئ به.
الكل يشاركني في كل شيء بل ويزيدني من خبراته، عبر تويتر وفيس بوك ومدونتي وموسوعة الخرائط وديليشس ومنتداي وعبر الماسنجر. ولم تعد معرفتي تقتصر على بحثي الشخصي فقط بل هناك من يساعدني ويضيف شيئا مفيدا لما أريده، تماما كما أنا أضيف للآخرين اشياء ربما لم يسمعوا عنها، أو يبحثون عنها منذ فترة طويلة. إنها الإنترنت التي تعني مشاركة الجميع في كل شيء حتى في أفكارك الصغيرة واحلامك الوردية. إنها العالم الإفتراضي الذي تعيش فيه كحرف من كلمة من جملة من كتاب كبير يكمل بعضه بعضا. إنها الشبكة العنكبوتية.
بين الرأين السابقين تدور الكثير من الأفكار حولهما، فالأول يعترض على الانفتاح وانكشاف المستور وضياع الخصوصية، واﻵخر الذي يدعم المشاركة في كل شيء حتى همسات المشاعر، ولكل راي أدوات جدا مقنعه، هي فعلا ذرائع وحجج تستوقفك وتدور برأسك في كل الإتجاهات، تجعلك تسأل نفسك للمرة الألف، ماذا أفعل؟ هل أنطلق إلى العالم بكل انفتاحه؟ أم أغلق باب غرفتي ونافذة حاسوبي؟ هل أطلق العنان لأفكاري وأحداثي وأسردها على العامة؟ أم أعيش وحيدا متلصصا على اﻵخرين من ثقب صغير؟
أنت وحدك من يستطيع أن يعيش بالطريقة التي تناسبه، فيمكنك أن تمنع اﻵخرين من تتبع خطواتك عبر خرائط جوجل في الوقت الذي تريده، تماما كما يمكنك أن تكتب على تويتر أنك تفكر في شرب كوب من القهوة. إنها الطريقة التي تستخدم بها تلك الإنفتاحية. تماما كما تعيش في غرفتك، فأنت من يختار متى يفتح النافذة ومتى يغلقها، ومتى يقف في شرفة منزله ومتى يطفيء الأضواء. لكن عندما تفتح نافذتك أو تقف في شرفة الإنترنت فتأكد أنك لن تندم على هذا، فحتما…
هناك من يراقبك.
في الوقت الذي تعمل فيه دول كثيرة على تحسين سرعات الإنترنت تلبية لرغبات المستخدمين وتماشيا مع التطور والتضخم الهائل للشبكة المعلوماتية، ناهيك عن احتياج تطبيقات الإنترنت إلى خطوط اتصال عريضة الحزمة تضمن تدفق سريع لبث الصوت والفيديو والخدمات الأخرى المتطورة، في خضم كل هذا تتخذ دولة كبيرة مثل مصر خطوات معاكسة وضد التيار كما يقولون بتحديد حجم البيانات المحملة من الشبكة بما أسمته (الاستخدام العادل للإنترنت).
وإذا كان هذا يأتي لمحاربة ومنع الإنترنت الغير قانوني (الوصلات) في المقام الأول، فلقد كان الأولى بهذا هو النظر إلى متوسط دخل الأسرة المصرية، وحساب كم عدد الأسر التي قد تتأثر بعدم وجود وصلة إنترنت في البيت. بل وكم عدد الشباب الذي لا يمكنه أن يدفع إلا مبلغ قليل من الجنيهات ليحصل على خدمة انترنت عبر وصلة تمر على الحي كله وبالكاد تمكنه من فتح بريده أو حتى نافذه صغيرة على العالم الإلكتروني يتنفس منها هوائا صحيا، ليكون بديلا عن دخان الشيشة وألفاظ المقاهي النابية.
ربما يكون تدفق اليوتيوب والمحادثات الصوتيه عبر الإنترنت قد ألقى بأضراره على شركة الإتصالات وعلى دور السينما وشركات الإنتاج وقطاعات أخرى كثيرة سئمت من توفر كل شيء بالمجان عبر الشبكة، وصار (الداونلوود) شبحا يخيم برأسه على مشاريع كثيره في الدولة ويحقق خسائر لقطاعات (أغلبها فنيه على الأرجح).
وربما هناك أسباب أخرى كثيرة صاحبت صدور هذا القرار، لكن في الإجمال ومهما قالوا، فإن هذا القرار خاطيء، وتبعاته سيئة وستزيد من درجات احتقان قطاع عريض من الشباب في مصر الذي يرى أن الحكومة تضيق عليه كل شيء حتى ربما تقنن الهواء في الجو. وبدلا من أن نعالج الاستهلاك السيء…
منعنا ماء النهر عن الجميع…
نعم تستمر حملات الطمس والإغراق المتزايدة للغتنا العربية وتراثنا العربي الأصيل يوما بعد يوم. ولم تعد تلك الخطوات مستترة أو بين ثنايا الأمور، كالسم في العسل كما يقولون، بل وصلت إلى تقديم السم وحده جاهزا للأكل.
برامج تحويل الحروف الإنجليزية إلى عربي، صارت تروج بمنتهى البجاحة وأن الكتابة بالعربي صارت صعبة ومستحيلة وبطيئة ولا يمكن الاعتماد عليها، وأن هذه الحروف العربية صارت أكثر صعوبة من الكتابة بالهيروغلوفية، وأن كتابة كلمة بالحروف العربية صارت أكثر مللا وصعوبة من النحت على ألواح الصخر كما الفراعنة.
أدعوكم لقراءة المقال التالي في موقع وادي التقنية: مايكروسوفت: اكتب بالارانجلش أسرع من العربي!!
أنا من مؤيدي مقاطعة تلك الحلول البرمجية ايا كانت، وليس فقط الحذر منها.
هل سنحافظ على لغتنا وهويتنا وحروفنا؟؟ أم أن أجيالنا القادمة ستحتاج إلى مترجم للقرآن الكريم؟
أحدث التعليقات